أكتب ليقرأ التاريخ لك

hyaghi 02/08/2015 Comments Off on أكتب ليقرأ التاريخ لك
أكتب ليقرأ التاريخ لك

بقلم: بدرية الشمري (جريدة الرياض)

الكتابة حياة أخرى نعيشها تمضي موازية لحياتنا الطبيعية ولكنها تفوقها بصناعة اللحظة التي نتمنى الوصول إليها.

نخلق في لحظة عوالم نريدها، نتحدث مع من نحب نحاوره نشتكي منه وعليه، نسافر ننتقل من مكان لآخر بحرف لا نحتاج معه لجوازات مرور وأختام سفارات ومطارات. في الكتابة رئة ثالثة أو أنها بالأصح الهواء الذي نتنفس وتمنحنا أنفاسا تزيد بنسبة أكسجين حبرها لتمنحنا متنفسا أكبر ومجالات أرحب للطيران والتحليق بحرية، ولكن للأسف البعض تصور الكتابة طريقاً يصل به إلى شهرة زائفة ليصنع لنفسه اسما يتداوله الناس ولا يتذكرون ما يكتب! الكتابة تحولت إلى إكسسوار يتجمل به البعض ويضيفه إلى سلسلة معرفات تسبق اسمه.

اُغتيلت الحروف والمشاعر لتتحول إلى إطار يجمل الصورة وليس إلى نبض يسكن القلب والذاكرة.

تنافست دور النشر على طباعة الورق فكلما كثر عدد المطبوع زاد دخلهم وزاد الورق الأصفر هما على هم وهو يحمل سطوراً تقتفي آثار الشهرة وتنسى أن ما يكتب عليها بصدق يبقى إلى بعد حين.

البعض يفكر أن يكتب ولكنه عندما يقرر الكتابة يتوقف خجلاً من الحرف عندما يريد تكوينه، فالصورة البلاغية المركبة بعد جهد وتحوير وتفكيك وتركيب تجهد القارىء ويلوك لسانه أكثر من مرة لينطقها ويستقيم معناها، غير تلك الكلمات التي تكتب على سطور المباهاة والتباهي وكذب المشاعر.

مهما كتبنا وتحدثنا عن الحب الذي أشغل العالم سنجد أن أصدق وأعذب الحب ماكتب على استحياء وخجل وماكتب ليعبر عن حال كل القلوب وليس لقلب واحد.

ما دفعني للكتابة هو ماكتبه محمود درويش (الموت لا يوجع الموتى، الموت يوجع الأحياء) عندما تداوله الكثير عبر تغريداتهم عند وفاة أمير الدبلوماسية سعود الفيصل رحمة الله عليه، وجدتها متداولة بشكل كبير بين من يحمل ويفهم معنى أمانة الكلمة وذيلها بمحمود درويش ومن لم توجع الكلمة قلبه قبل أن تخرج كتبها وتركها معلقة مابين عيون لا تعلم إلا ماترى وقلوب تفهم أن درويش رحل وترك كلماته تعيش بعده. عندما يكتب الشاعر أو الكاتب بصدق وتفر الدمعة من عينه وهو ينثر هم قلبه ويكتبه وجعا لكل العالم هنا سيتذكره الجميع.

هل بقي المتنبي وجرير وأبو فراس وغيرهم الكثير لأنهم كانوا يغردون بما ليس صدقاً أو لأنهم كانوا ينحتون على صخور الجبال وجعهم ليتردد صداه على مر العصور.

هل كتب جبران ومي رسائلهم وحبهم ليعيشوا قصة حب ملفقة أو أنهم كتبوا وماتوا ولم تمت مشاعرهم لأنهم وثقوها بنبض خالد وليس حديث تذروه الرياح.

وعندما كتب نزار لكل سمراء وبيضاء واستقر على عرش بلقيس كان يقول لكل نساء الكون (بعض النساء وجوههن جميلة وتصير أجمل عندما يبكين).

فهو لم يكتب لواحدة إلا عندما أكتفت نساء الدنيا منه!.

الكتابة التي تحفر قلب صاحبها ويتجاوز ألمه ليكتب لكل القلوب ستبقى مهما تلاشى جسده وذاب في الرمال، لذلك لا تدع فرصة ألم تمر دون ثويقها ولكن لا تكتبها إلا ليقرأ التاريخ لك.

http://www.alriyadh.com/1068094

Comments are closed.