الحرية أم الكرامة في منظور ثورات الربيع العربي

hyaghi 14/06/2014 Comments Off on الحرية أم الكرامة في منظور ثورات الربيع العربي

الحرية أم الكرامة في منظور ثورات الربيع العربي

 بقلم: الدكتور نايف الروضان

     ربما يصح القول أن الربيع العربي هو أهم حركةٍ تحويلية منذ سلسلة الثورات التي إجتاحت شرق أوروبا عام 1989.  من أبرز السمات لثورات العديد من بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هو الإنهيارُ السريعُ للأنظمة السياسية عام 2011 والذي خلق تغييرات جذرية في التعاملات السياسية محلياً وإقليمياً وعالمياً، مودّعةً إلى الأبد تلك الأنظمة السابقة التي عفى عليها الزمن.

      في ضوء ثورات شرق أوروبا عام 1989، طرح فرانسيس فوكوياما نظرية “نهاية التاريخ”، مفسّراً بذلك ثورات 1989 كإنتصارٍ للعقائد الديموقراطية الليبرالية، أو على الأقل الإجماعُ على شرعيتها.  نظريته إدّعت نهاية التناقضات الرئيسية في الحياة البشرية، رامزةً إلى أنه لم يعد هناك مكانٌ لأي مشكلة لا يمكن حلها بالطرق الليبرالية الحديثة.  ولذلك، لفرانسيس فوكوياما، التحولات الثورية عام 1989  إلى الديموقراطية الليبرالية إنما هي دليلٌ على “نهاية التاريخ” – أي النقطة الأخيرة للتحول الإجتماعي.

      للعديد من المراقبين، كانت ثورات الربيع العربي مطالبة صريحة بالحرية والديموقراطية بمعناهم الحقيقي، على غرار ثورات 1989.  قبل هذه الثورات، كان من المتوقع أن يُنظر إلى الدول العربية على أنها شاذة عن النظام الليبرالي المُتوقّع.   إعتقد الكثير أن وضع البلاد العربية ميؤس منه وغير قابل للتغيير للأفضل.  التحولات الجذرية للربيع العربي ما هي إلآ تأكيد لقوة الدفع إلى ديموقراطية ليبرالية على غرار الديموقراطية الغربية – أي نهاية التاريخ.

sustainable-history-2

     بغض النظر عن أي وجه شبه ما بين ثورات شرق أوروبا وثورات الربيع العربي، إلآ أن بلاد الشرق الأوسط لديها العديد من العقبات لتطبيق الأنظمة الديموقراطية الغربية لأسباب عديدة، ومن أهم نتائج ثورات الربيع العربي هو الإجماع المطلق من المفكرين والسياسيين وعامة الشعب على الحاجة لأنظمة مختلفة عن الأنظمة التي تم الإطاحة بها، مما أدى إلى زيادة المُناظرة ما بين المفكرين والسياسيين عن طبيعة أنظمة الحُكم المناسبة وشرعيتها وملاءمتها للمجمتع.

      ولتلك الأسباب، يتوجّب على بلاد الربيع العربي أن تعمل بجدية لئيجاد النوع المناسب من أنظمة الحُكم الرشيد القابل للتطور.  وهذا لا يتم دون الوصول إلى توافق ما بين آراء المثقفين والسياسيين في البلاد وحكومات الغرب الداعمة.  وبالإضافة لذلك، لا بُد من تفاوت في أنظمة المنطقة لتتوائم مع إختلاف طبيعة القوى السياسية والعادات والتقاليد والتركيبة السكانية.  وبذلك ما يصلح في أمريكا ليس بالضرورة يُلائم بلدان الشرق الأوسط والعكس صحيح أيضاً.  إذاً أي تدخُّل خارجي في سياسات بلدان الشرق الأوسط سيُنظر إليها على أنها محاولات للتحكُّم بالبلاد والسيطرة على قيادتها.  الأسلم هو بدل أن نُحاول تطبيق نظرية “نهاية التاريخ”، علينا العمل بجدية لخلق مناخ مناسب لتحقيق تاريخ مُستدام – إستدامة في نموذج الحكم الرشيد المتوافق والمقبول إجتماعياً بأقل التكلفة.

     الديموقراطية الليبرالية الغربية، بنموذجها الحالي، ربما تُوفر عدالة سياسية، ولكنها أيضاً من السهل أن تخلق مشاكل إجتماعية لعدم المساواة الإقتصادية والثقافية والإجتماعية.  وذلك تماماً الحال مع الجاليات المسلمة في فرنسا وغيرها من البلدان الغربية التي لم تحظى بالمساواة الإجتماعية ولا بالقرارات التي تحد من نسبة الفقر، على العكس تماماً من نظرية فوكوياما عن نهاية التاريخ.

      إنه من الأنفع والأسلم لكل الأطراف التركيز على مبدأ الإستدامة الذي يوفر المزيد من القدرة على التكيّف أكثر بكثير من نظرية “نهاية التاريخ”.   جوهر مبدأ “التاريخ المستديم” هو أن مُحرّك التاريخ وكاتبه ليس بالضرورة البحث عن الحرية، بل البحث عن الكرامة، كرامة الشعب.

      كرامة الإنسان ليست فقط عدم وجود ذل وإهانة للإنسان، وإنما مجموعة متكاملة من المعايير الأساسية للحكم الرشيد تشمل:  العدالة، الأمن، الحقوق الإنسانية، المُحاسبة، المُساءلة، الشفافية، الأدلة، فرص العمل، الإبتكار، والشمولية. من الواضح جداً أن الشعار الرئيسي للربيع العربي هو كرامة الإنسان، وفقدانها كان السبب الرئيسي للإطاحة بالرؤساء المسئولين عن تدنيس كرامة شعبهم.  وإزداد غضب أصحاب هذه الثورات بإنتشار القواة التعسفية وعدم إحترام القوانين وتلاشي الفرص الإقتصادية وإزدياد سوء الخدمات العامة وغطرسة وفساد الطبقة الحاكمة وحاشيتها.  كل تلك الإخفاقات العديدة من الحكومات وسلب كرامة الشعب مُجتمعةً خلقت نقطة تحوّل في المنطقة لا مفر منها.

      لم يعُد وجود أدنى شك في إندلاع ثورات تُطيح بأنظمة يأس منها شعبها.   السئوال أصبح “متى ستندل” وليس “إذا إندلعت” الثورات.  لذلك لا بد من الفصل بين المطالبة المتكررة بديموقراطية ليبرالية وثورات هذا الربيع، إذ لم يكن سببه الرئيسي الديموقراطية أو الحرية بل المطالبة بالكرامة، كرامة الإنسان.

      كل حُكم رشيد بحاجة ماسة لأنظمة تضمن إحتياجات الشعب الأساسية، ألا وهي كرامته، بغض النظر عن تركيبة الشعب أو ثقافته.  الحُكم الرشيد القائم على أساس إحترام كرامة الشعب يحمي حقوق الشعب ويُلبّي مطالبهم الإقتصادية والسياسية والإجتماعية، علاوة على أنه يسمح بوجود أنماط حُكم رشيدة مقبولة إجتماعياً ودون تكاليف باهظة. 

      وأخيراً، عوضاً عن المحاولات المتكررة الفاشلة لترسيخ مفاهيم الديموقراطية الليبرالية، نظريتنا لتاريخٍ أزلي تقترح نموذج حكم مواكب للمفاهين العالمية لحقوق الإنسان مع تكيفه لتركيبة المجتمع وطبيعته وإحترامه لكرامة الشعب.  ونأمل أن لا نتوقف عند ذلك، بل تكن هذه نقطة البداية لمُستقبلٍ أزلي.

sustainable-history

Sustainable History

www.sustainablehistory.com

Comments are closed.