تعلم الدروس المستفادة من قضية رينو

admin 07/11/2012 Comments Off on تعلم الدروس المستفادة من قضية رينو

تعلم الدروس من قضية  رينو

جون جابر

 

من المغري عدم الاكتراث بفضيحة شركة رينو، التي أذلت كارلوس غصن، الرئيس التنفيذي للشركة، بعد أن اعترف في الأسبوع الماضي أنها اتهمت خطأ ثلاثة مديرين تنفيذيين سابقين بالتجسس، باعتبارها قضية من نوع دريفوس- يهودي فرنسي في القرن التاسع عشر سجن في تهمة بالتجسس لصالح ألمانيا ثم تمت تبرئته- (لكن في عالم الشركات). اتهامات خاطئة؛ وأدلة ملفقة؛ والقفز إلى استنتاجات خاطئة، ليس فقط من جانب الشركة بل أيضا من قبل وزراء في الحكومة، بشأن ذنب بعض صغار المسؤولين ثم الاضطرار إلى التراجع بصورة مذلة (وخلافا لقضية دريفوس، حدث هذا على شاشات التلفزيون). يبدو الأمر فرنسيا محضا، ولا شك أنه مستحيل تصوره في مكان آخر؟ أمر مغرٍ ولكنه خاطئ، حيث أن خطأ ''رينو'' الفادح والسلوك غير الحكيم من جانب غصن وباتريك بيلاتا، كبير المسؤولين التشغيليين، غير ناجم عن الجنسية أو ثقافة الشركات الفرنسية. فالشركات في أسواق أخرى ارتكبت أخطاء مماثلة، وإن كانت أقل إثارة، ليس فقط عن طريق فتح تحقيقات في عمليات تجسس صناعي بل أيضا في التصرف كأنها النيابة العامة والقضاة. ويزيد الميل للقيام بهذا مع زيادة مخاوف الشركات من قيام الموظفين بنقل الأسرار للشركات المنافسة في الداخل أو للشركات المنافسة المدعومة من الدولة في الأسواق الناشئة. وقد أدت المخاوف الفرنسية من حصول المجموعات الصينية على تقنية السيارات الكهربائية لشركة رينو بصورة غير مشروعة إلى أن تكتسب الاتهامات التي وجهتها للمديرين التنفيذيين الثلاثة زخما خاصاً بها. غالبا ما تنسى الشركات أنها ليست محاكم وليس لها الحق بتعيين محققين لمراقبة موظفيها دون أن تكون منضبطة جدا بشأن كيفية إجراء هذه التحقيقات، وكيفية جمع الأدلة، ونوع العقوبات المفروضة. وهذا الأمر ليس فقط غير منصف للموظفين بل قد يكون كارثيا بالنسبة لأولئك الذين ينظمون التحقيقات.

 

وفي حالة ''رينو''، من الصعب التفوق على الحكم بحق مايكل بالتازر، الأعلى مكانة من بين المديرين الثلاثة الذين طردتهم ''رينو'' في شهر كانون الثاني (يناير)، بعد تحقيق متسرع وغير كاف، بتهمة الحصول على رشا وامتلاك حسابات مصرفية في سويسرا وليختنشتاين. وقال بالتازر للـ'' فاينانشال تايمز'' هذا الشهر: ''كانت رسالة من مجهول أكثر أهمية من عملي لمدة 31 عاما في شركة رينو.'' وقد يقول غصن وبيلاتا إنهما كانا ضحية خدعة كان من الصعب اكتشافها بما أنه يتورط فيها، كما يبدو، مسؤولو الأمن في الشركة نفسها.

 

وقد تم اعتقال دومينيك سيرفي، وهو محقق في ''رينو،'' يوم الجمعة الماضي أثناء محاولته الصعود على متن رحلة إلى غينيا وتم اتهامه بالاحتيال فيما يتصل بمدفوعات قدمتها ''رينو'' من خلاله في إطار تحقيقه الداخلي. ولكن إذا تبين أن سيرفي أو غيره من مسؤولي الأمن قد فعلوا أموراً غير أخلاقية أو غير قانونية (يصر سيرفي على براءته)، فلن تكون هذه هي المرة الأولى. في الواقع، تميل الشركات للسماح للتحقيقات بالخروج عن السيطرة. وقد أدى تحقيق شركة هيوليت باكارد حول تسريبات مجلس الإدارة عام 2006 إلى محاولة محققيها الخاصين بتتبع المكالمات الهاتفية بين المديرين والصحفيين عن طريق ''الحصول على معلومات بحجج زائفة'' (الادعاء لشركات الهواتف المحمولة أنهم مشتركين). وأدى هذا إلى توجيه اتهامات جنائية ضد باتريشيا دان، رئيسة مجلس الإدارة السابقة، على الرغم أنه تم تبرئتها لاحقا. وفي العام التالي، طردت شركة متاجر وول مارت الأمريكية للتجزئة أحد مسؤولي الأمن في مجموعة بحوث وتحليلات التهديدات في مدينة بينتوفيل في ولاية أركنسا، لأنه سجل مكالمات هاتفية بين الصحفيين وموظفي العلاقات العامة واعترض رسائل نصية.

 

وكشف بروس غابارد، المحقق المطرود، حينها تفاصيل عن كيفية قيام ''وول مارت'' بفرض مراقبة على الشركات التي تعتبرها تهديدا. تشعر الشركات التي تتحسس وجود خطر ما بالإغراء إلى أن تترك مسؤولي الأمن والمحققين الخاصين يتولون التحقيق لوحدهم. ومثل موظفي الدعم التقني، فهم يسكنون عالما لا يفهمه المديرون التنفيذيون، بل قد يفضلون ألا يفهمونه. وذكرت صحيفة ''وول ستريت جورنال'' أن مجموعة الأمن في ''وول مارت'' كانت تعمل من مكتب خافت الإضاءة يعرف باسم ''كهف الخفافيش''، وكان لا يمكن الدخول إليه إلا بتقنية التعرف على راحة اليد (وضع راحة اليد على الجهاز للتمكن من الدخول).

 

ارتكبت ''رينو'' خطأين في تعاملها مع القضية:

الأول هو أنها أبقت التحقيق داخلياً ولم تطلب المساعدة من أجهزة الأمن الفرنسية، على الرغم من أنه كان يبدو أن شركات سيارات صينية مملوكة للدولة متورطة في التجسس المزعوم. قارن ذلك مثلاً مع تعاون شركة جوجل مع وكالة الأمن القومي الأمريكية حول القرصنة الصينية.  ويقول جيمس أندرو لويس، المتخصص في التقنية والأمن في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية: ''ربما كان من الأفضل التوجه فورا إلى الحكومة. فوكالات الاستخبارات تعرف غالبا أكثر مما نعرف.'' وفي حالة ''رينو''، كان من الممكن أن يصحح هذا المعلومات التي كانت تتلقاها من الداخل.

 

والخطأ الثاني هو أنها لم تراقب موظفيها على نحو صحيح. فقد يعمد مسؤولو الأمن، الذين كان الكثير منهم يعملون في السابق في أجهزة تطبيق القانون أو الجيش، إلى الالتفاف على القوانين في تحقيقات الشركات لأنهم لم يتكيفوا بعد مع حقيقة أنه لم يعد لديهم صلاحية تامة رسميا. إن للموظفين حقوقا قانونية وأخلاقية إذا انتهكتها الشركات فإنها تضع نفسها في موقع ضعيف- إن غضب بالتازر من طريقة التعامل معه هو في محله. وأية شركة تترك المجال مفتوحا لقوات الأمن الداخلية الخاصة بها ثم تتغافل عما يحدث تستحق ما يجري لها. ويقول ريتشارد جيرجنتي، رئيس الممارسات القانونية للشركات في شركة كيه إم بي جي في الولايات المتحدة: ''ليس هناك شيء قد يجعل الوضع السيئ أسوأ مما هو عليه بشكل أسرع من التحقيقات التي يتم إجراءها على نحو سيئ. ولا بأس بتفويض العمل اليومي ولكن على المديرين التنفيذيين أن يمتلكوا البصيرة والإشراف''. وفي عصر ويكيليكس والتجسس الإلكتروني، يجب على الشركات أن تمنع خروج أسرارها. ولكن لا يمكنها أن تدوس على القانون أو على موظفيها- سواء أكانوا فرنسيين أم لا.

 

كان كارلوس غصن إلى سنوات عديدة الفتى الذهبي لدوائر الأعمال الدولية. وبعد أن ترأس عملية إصلاح شاملة قاسية لشركة رينو، ثم أنقذ شركة نيسان من إفلاس وشيك قبل عقد من الزمن، أطلق عليه لقب ''قاتل التكاليف''، وتم الاحتفاء به من دافوس إلى ديترويت.

 

إضافة إلى سيرجيو مارشيوني رئيس شركة فيات/ كرايزلر، فإنه الرئيس الوحيد لشركة صناعة سيارات كبيرة بدرجة كافية من الشجاعة – أو الحماقة – لإدارة شركتين في صناعة وحشية التنافسية، ويسافر بالطائرة النفاثة بين باريس ويوكوهاما على طائرته الخاصة غولفستريم جي 550، والتي تحمل التسجيل رقم إن 155 أيه إن. وحتى الشهرين الماضيين، كان يفاخر بأن عرض عليه أعلى المناصب في شركة جنرال موتورز، وشركة فورد موتور الأمريكيتين.

 

بناءً عليه، لا يمكن أن يأتي ظهوره المباشر على شاشة التلفزيون الفرنسي مساء الاثنين الماضي وهو يعتذر إلى ثلاثة تنفيذيين سابقين تم طردهم بتهم تجسس زائفة بسهولة تماماً. وبقصر قامته، وهندامه المثالي دائماً، فإنه مشهور بالسيطرة على نفسه. ولكنه بدا في ذلك اليوم غير مرتاح بشكل واضح تماماً، وغير قادر على النظر في عيني الشخص الذي يقابله، حتى حينما قال: ''لقد ارتكبت خطأً''. ولكن، من ناحية أخرى، كان ذلك أسبوعاً سيئاً للغاية بالنسبة إلى هذا الشخص البرازيلي المولد الذي يسافر جيئة وذهاباً للقيام بمهام رئيس تنفيذي مزدوج.

 

 

في اليابان، كانت ستة مصانع إنتاج تابعة لشركة نيسان متوقفة عن العمل بعد الزلزال الأخير. وفي حين أنه كان يتلقى مستجدات ما يحدث في اليابان كل ساعة تقريباً، إلا أنه كان مضطراً لإبعاد الغضب بشأن فضيحة شركة رينو في فرنسا. وتم استدعاؤه إلى وزارة المالية يوم الخميس لمواجهة الاستياء الشديد من جانب كريستين لاجارد، وزيرة المالية، وإريك بيسون، وزير الصناعة، مديري حصة الدولة البالغة 15 في المائة. وأمر بإجراء تدقيق خارجي، ووافق على إعادة 1.6 مليون يورو (2.3 مليون دولار) من راتبه في عام 2010، وأن يتخلى عن حصته من خيارات الأسهم في هذا العام.

 

من الصعب المبالغة في الألم الذي سببته الفضيحة إلى كافة المستويات الوظيفية في المجموعة التي تحطمت معنوياتها. وتم طرد التنفيذيين الثلاثة في كانون الثاني (يناير) بعد أن زُعم أنهم باعوا أسراراً من برنامج السيارات الكهربائية في الشركة، والذي ينظر إليه غصن على أنه جوهرة التقنية الذي كان من المقرر أن تكون لشركتي ''رينو'' و''نيسان'' بواسطته الريادة في قطاع الصناعة. وعانت حكومة فرنسا التي تعتبر أن لها سلطة خاصة على ''رينو''، من نوبة خوف جنوني، وحذرت من أن صناعتها العزيزة تواجه ''حرباً اقتصادية''، بينما أشعلت تخمينات وسائل الإعلام بشأن التورط الصيني توترات سياسية مع بكين.

 

دعم غصن على الملأ التحقيق الداخلي للشركة في عملية التجسس. ولكن، بعدئذ، تكشفت خطوط القضية. وتم احتجاز دومينيك سيرفي، المسؤول الأمني سابقاً في ''رينو'' الذي أجرى التحقيق، أثناء استعداده للسفر إلى غينيا خلال الأسبوع الماضي، ويخضع حالياً إلى التحقيق. وترفع ''رينو'' بحد ذاتها تهم الاحتيال، وتقول إنها تعرضت إلى الخداع.

 

على الصعيد الرسمي الفرنسي، ثمة سؤال هو كيف يمكن لأحد أكثر المديرين حكمة في صناعة السيارات، أن يراهن باسمه على القضية. وقال أمام موظفي شركة رينو في الأسبوع الماضي: ''علينا أن نقلب الصفحة، ولكن لا يمكننا أن نقلب الصفحة بشكل متسرع لأننا لا نريد أن يحدث هذا النوع من الأمور مجدداً. ولا يمكنك أن تقفز إلى استنتاجات متسرعة. وقد فعلنا ذلك مرة، ودفعنا ثمناً باهظاً.. بالصورة، والحافز، والشكوك التي تمت إثارتها''.

 

حتى الآن، بدا أن الرجل لا يمكن المساس به. وفي حين أن سجله في ''رينو'' تحديداً كان مختلطاًَ في السنوات الأخيرة، إلا أنه ما زال يتمتع بسمعة قوية بناها إلى حد كبير على سجله في تغيير ''نيسان'' تماماً. وشعرت الأسواق بالارتياح في الأسبوع الماضي من أنه لم يقدم استقالته، وكذلك نائبه، باتريك بيلاتا.

على أية حال، ما إذا كان غصن شخص لا يمكن الاستغناء عنه، فذلك أمر مشكوك فيه. وكتب بنك كريدي سويس أن معالجته للواقعة ''يمكن أن تلقي بظلال الشك على مستقبله في شركة رينو حالما تنتهي مدة سريان عقده في نهاية عام 2013''. ولا تطالب حكومة فرنسا التي تخشى جيشاناً على مستوى إداري في معلم صناعي، بتنحيه عن المنصب- على الأقل ليس قبل أن يحدد التدقيق الإخفاقات الإدارية التي سمحت بمضي هذه الاتهامات الزائفة إلى هذا الحد. ويقول أحد المسؤولين الحكوميين: ''على الأرجح أنه ارتكب أخطاء، ولكن لن نقول علناً إن عليه أن يتنحى. ولا تريد الدولة أن ترتكب الخطأ ذاته الذي ارتكبته إدارة شركة رينو مع التنفيذيين الثلاثة''.

 

يبدو غصن فخوراً بسيرته المهنية العالمية، حتى لو كانت تعني أن شخصاً ما في فرنسا ينظر إليه كغريب. وولد غصن عام 1954 من أبوين لبنانيين مارونيين في البرازيل. وأرسله والداه حينما كان في سن السادسة إلى أجواء أكثر صحة في لبنان ليعيش مع جدته. وتلقى تعليمه في اثنتين من أكبر كليات فرنسا.

 

خلال عمله لمدة 18 عاماً في شركة ميشلين، ترقى ليصبح رئيس عملياتها الأمريكية قبل أن يعينه لويس شواتزر، الرئيس التنفيذي لـ''رينو'' في ذلك الوقت، في عام 1996، ثم أرسله بعد ثلاثة أعوام ليحل مشكلات شريكتها الجديدة، ''نيسان''. وقام بصياغة خطتين لمدة ثلاثة أعوام هدفهما تخفيض التكاليف والديون، وتحسين الأداء الذي أعاد الشركة إلى الأرباح القوية. وفي بلد تتوق إلى القادة، تم منحه مكانة الرئيس التنفيذي النجم، بما في ذلك ظهوره على أغلفة المجلات، ودور نجمي في المجلة الهزلية، ''مانغا''.

 

عاد إلى باريس كرئيس تنفيذي لشركة رينو في عام 2005، وأحضر معه بطانة من المتعاونين المقربين. وفي حين شعر البعض أن رئيسهم المندفع بقوة والعالمي جلب معه نفحة من التجديد إلى ''رينو''، إلا أنه أقصى آخرين ممن شعروا أنه كان يهاجم ثقافة الروح الحرة التي ميزت الشركة عن شركة صناعة السيارات المنافسة، ''بيجو''. ويقول أحد كبار المديرين سابقاً: ''فرض إدارة وحشية- إدارة قاسية للغاية من حيث الهدف. وكانت نوعاً من الإدارة الأمريكية التي كانت مدارة بشكل سيئ، وبخوف مرضي''.

 

امتدت الرغبة في السيطرة لتشمل صورته. ويتحدث المدير السابق عن ''لعبة التبجيل التي نظمها، وأسسها، غصن وعشيرته، وهو يدفع ثمن ذلك الآن''. ولكن كانت ''رينو'' أقسى من ''نيسان. وتلقت بعض السيارات التي تم تطويرها تحت مراقبة غصن تقارير مراجعات سيئة.

 

على الأرجح أن حكومة فرنسا تحمل مفاتيح مستقبله الآن. ولم تكن العلاقة سهلة على الإطلاق. وفي العام الماضي، عنفه الرئيس نيكولا ساركوزي بشدة بعد أن تبين أن نيسان كانت تفكر بنقل إنتاج سيارتها سيلو التي تتمتع بالشعبية إلى تركيا. ويقول المسؤول الحكومي: ''طالما كان يعتبر الدولة عائقاً. ويعتبر نفسه السيد، وليس مضطراً إلى المساءلة أمام مساهم من جانب الدولة''.

 

 

غير أن الأرض تحت قدميه تغيرت تماماً. وعلى الأرجح ألا يكون هذه المرة في مقعد القيادة.

 

 

Comments are closed.