درسٌ من الحياة

hyaghi 18/02/2013 Comments Off on درسٌ من الحياة

في صِغَري، بكل حرية ودون إكتراث بقوانين وضوابط أسرتي ومدرستي وحارتي، كنت أتكلّم وأُعبّر عن مشاعري وأحلامي وإحتياجاتي مثل أي طفل آخر.

 

سُنّة الحياة، أو كما تقول أمي: "لا شيء يبقى على ما هم إلآ هو".  لقد كَبِرتُ ولم يعد بإمكاني فعل ما تعودت عليه في صغري. وكلما إزددتُ كَبراً إزدادت القيود.  ومن وُجهةٍ إيجابية، إزدادت معرفتي في الدنيا وما يدور من حولي. تلك المعرفة أضافت صبغة مميزة لشخصيتي وأخلاقي.   ومع تغيُّر شخصيتي إكتشفت تغيُّر معرفتي ورغبتي بالسعي وراء أجزاء مُعيّنة من هذه الحياة.

 

دائرة حياتي أخذت بالإتساع كلما إزددتُ نمواً وإزددتُ علماً ومعرفة.   وكلما إتسعت دائرة حياتي إزداد فهمي لما يدور حولي وإزددتُ أنا بالبحث عن المجهول أكثر لإكتساب معرفةٍ أكبر وأعمق.

 

ولكن، "لا شيء يبقى على ما هو إلآ هو".  بعد سِن مُعيّنٍ (ويختلف ذلك من شخص لآخر) بدأت دائرة حياتي تضمحل وتصغر مع إضمحلال معرفتي وقُدرتي على مواكبة تغيٌّرات الحياة.  إضمحلّت معرفتي في الأمور العلمية والإجتماعية والترفيهية إما بسبب سوء صحتي أو بسبب مسئولياتي الكبيرة تجاه أسرتي أو بسبب المجتمع الذي أعيش في وسطه.

 

إضمحلالُ معرفتي ساعد في إضمحلال دائرة حياتي وهذا كابوس يكادُ لا يتركني لأنني أومن بأن الحياة دائرة: "نُخلق من نُطفة، نولد بلا حيلة، ثم نكبر ونحن نتعلّم شيئاً فشيئاً، ثم نكبر ونكبر، ثم نضعفُ ونضعف ونصبح مرّة أخرى بِلا حيلة، حتى توافينا المنيّة".

وعلى عكسي، أخي التوأم ما زال يبدو وكأنه في منتصف عُمره مليء بالحيوية والإنتاج.  معرفته ما زالت في إزدياد ودائرة حياته ما زالت في إتّساع وكأنه في طور النمو (بلا حَسد).

 

حاولتُ معرفة السبب، لذا إستشرتُ الخبراء.  لا عَجبَ، أجمعوا.  فأخي إستثمر أكثر مني بمقومات نمو فكره ومعرفته وصحة جسده.  إستثمر بإحاطة نفسه بزملاء أذكياء يملأُهم التفاؤل.  يُخطط بإستمرار لغده ويبتكر طُرقاً جديدة كي يستمر بالإزدهار ذهنياً وإجتماعياً ومالياً وصحياً.

 

 

يُذكِّرُني ذلك بالحضارات الإسلامية (مثل الأموية والعباسية) التي نشأت صغيرة نسبياً وتوسّعت وإزدهرت ووصلت قمماً شاهقة ثم إنحدرت.   وأنا سأندثرُ يوماً ربما بالقريب لا البعيد، أما أخي حفظه الله فسيندثر بعد عُمرٍ طويل (والله أعلم). وسبب الفارق طبعاً كما أسلفتُ هو الفرق في إستثماراتنا لمستقبلنا.

 

تلك هي حالُ شركاتنا أيضاً.  تبدأ الشركةُ صغيرةً وبجهودٍ جبّارة تنمو وربما تزدهر.   لكنها يوماً ما ستَهرمُ وستندثر.  وما يُحدد عُمر الشركة (أو إتساع دائرة حياتها) هو مدى إستثمارها المستمر بقيادة حكيمة ترعى شئون موظفيها ومنتجاتها وتُحسن معاملة زبائنها.

 

وفي زمننا الحاضر وفي ظل العولمة والتقدم التكنولوجي الرهيب، تزداد أهمية إحتضان قيادة ناشئة حيوية ذات كفاءة عملية وعلمية، تدرُس بإستمرار أوضاع الشركة من الداخل والخارج، وتخطط وتُعيد التخطيط لمقاومة العوامل الغير مرغوب بها.  قيادةٌ صادقة مع نفسها وصادقة للشركة. 

 

Comments are closed.