سطورٌ من حياة رجُل

ola 22/05/2014 Comments Off on سطورٌ من حياة رجُل

سطورٌ من حياة رجُل

بقلم:   علا ياغي

هذه وقائعُ حياةٍ حقيقية لزوجي حسام أعرضها للعموم راجياً العبرة والفائدة.

نشأ حسامُ في بيتٍ صغيرٍ مع عائلته الكبيرة المُكونة من ثمانِ بناتٍ و أولاد.  مُنذ صغره كان والده ينادية بـ "البيك حسام" أو "حسام البيك". وكم أعجبه هذا اللقب وحرص على أن يكون بيكاً طيلة حياته.  أدعو كل أم وأب الحرص على الثناء الكثير لأطفالهم ومناداتهم بأفضل الألقاب على قلوبهم.

كان حسامُ نحيفاً قصير القامة وسيماً هادئاً ولم يعشق اللعبَ واللهو في الحارة كالآخرين من عمره.   فمنذ صغره كان طفلاً مسئولاً منظماً مُعتداً بنفسه قوي الشخصية عوناً لأخواته وأخوانه ومديراً لمالية والده لأمانته وحُسن تدبيره مما دعى والده لشراء حقيبة سامسونايت له لحفظ نقود العائلة فيها.   وهذه دعوة لكل أم وأب لمعرفة جوانب القوة في شخصية أطفالهم وتعزيزها.

في المدرسة كان حسامٌ طالباً متفوقاً.  حصل على شهاداتِ تقدير كل سنة وكُرِّم أمام جميع الطلبة في المدرسة.  وهذه دعوة لكل أم وأب بإعطاء أطفالهم العلم النافع وإختيار المدارس ذات الأهداف السامية المُحفزة لطلابها.

من أكثر القصص التي ما زال حسام يذكرها ويُرددها على مسامع أولاده مُعتزاً بها كوسامٍ على صدر جندي من الدرجة الأولى.  فكم من مرة سمعته يقول لإبنته الصغيرة عن معلمه الأستاذ دغش.  ففي حصة سأل الأستاذُ سؤالاً، ولسوء حظ حسام لم يرفع يده للإجابة وذلك لأنه لم يعرف الجواب رغم أنه كان يرفع يده للإجابة على كل سئوال، أشار إليه الأستاذ دغش ليجيب السئوال، وبطبيعة الحال لم يعرف حسام الجواب وكأن الأستاذ كان ينتظر تلك اللحظة بشغف.  فما كان من الأستاذ دغش إلآ أن صفع حسام على وجهه بيده التي لو قُطعت لزاد وزنها عن رطل.  وقد يعتقد البعض أن حسام بكى، لكنه لم يبكِ بل على العكس أقسم للأستاذ بجُرأةٍ أن يُخبر والده بما حصل.   وبالفعل أخبر حسام والده الذي غضب وذهب إلى المدرسة قائلاً للأستاذ "هذا الطفل لم يضربه أحدٌ أبداً ولا حتى أنا، فلا يحق لك أن تضربه".  تلك دعوة لكل أم وأب على أن يسمعوا لأولادهم وأن ينصفوهم إذا كانوا على حق.  وهذه دعوة إلى كل أستاذ بأن لا يستخدم الضرب كوسيلة للعقاب، وليكُن مُربياً فاضلاً لطُلابه المُؤتمن هو عليهم.

كَبُر حسام وأنها الإبتدائية والإعدادية والثانوية بتفوق.   في الصف الثاني عشر قبل التخرّج من كلية الحسين الثانوية، كان حسامُ من نخبة المتفوقين وكان ترتيبه حسب المعدل التراكمي الدراسي الثالث على ما يُقارب ال 600 طالب.  هذه دعوة لكل طالب "من جد وجد، فلا تتكاسل ولا تتقاعس".

husam-yaghi-1976-1

تخرّج حسامُ وإلتحق بالدراسة الجامعية (هندسة كهربائية وكمبيوتر).  كانت تلك نقلةً كبيرة وصعبة لحسام الذي إعتاد على حياة مريحة سمحت له التركيز على دراسته.  أصبح الآن يتوجب عليه العمل والدراسة في آنٍ واحد.  أحياناً عمل في مكانين ومعظم الوقت لم يحظى بأكثر من 4 ساعات من النوم كل ليلة.  وكل هذا لأنه إختار أن يعيش مستقلاً معتمداً على نفسه. 

شخصٌ عظيمٌ كان له أثر كبير على مستقبل حسام.  في السنة الأولى من الدراسة الجامعية عمل حسام على مشروع لمؤسسة الفضاء الأمريكية (ناسا) بواسطة من الدكتور المهندس محمد عبدالرازق (زميل أخ حسام الأكبر، الدكتور حسين).   وفي السنة الثالثة، طلب رئيسُ قسم الهندسة الكهربائية (الدكتور جيمز كرُس) من حسام أن يساعده في مختبر هندسة الكمبيوترات الصغيرة (مايكروبروسيسرز).  كانت تلك نقطة هامة جداً في حياة حسام. ولم يكن المالُ هو الدافع إذ تقاضى حسامُ فقط 400 دولار للفصل الدراسي بأكمله.  ولكن حسامٌ كان ذكياً، كان يُدرك أن المال الوافر سيأتي لاحقاً.

صار يملأُ وقت فراغه بين الحِصص بالعمل في مختبر المايكروبرسيسورز، وعمل على مشاريعٍ صغيرة تباها بها، وبذلك أصبح يُتقن المادة وكأنه طالب دكتوراة.

إزداد حُبّ رئيس القسم له (الدكتور جيمز كروس) وأوكلَ إليه مهمة الإشراف على مادة مختبر المايكروبروسيسرز براتب 600 دولار شهرياً.  وفي السنة التالية طُلب منه الإشراف الكامل بالإضافة لمساعدة الدكتور جيمز في تدريس مادة الماكربروسيسرز الرئيسية، وتقاضى مقابل ذلك 800 دولا شهرياً.

وفي منتصف السنة الرابعة من الدراسة الجامعية، أي قبل التخرّج، كانت كلية الهندسة قد حصلت على مركز معلومات بالكامل كمنحة من شركة آي بي إم.  ولم يجدوا أحداً رخيص الثمن لإدارة أجهزة المينفريم (IBM 4341) لأن كل من تدرّب عليه إلتحق بشركة آي بي إم.  طلبوا من حسام أن يكون المدير الفني (System Administrator) لهذا النظام العقيم الغريب، عِلماً أن حسام لم يتلق أي تدريب عليه.   لم يرفض حسام بل كان سعيداً وكان شرطه الوحيد هو منحه الصلاحية لدخول المركز متى شاء وإعطائه نسخة من جميع الكتب الخاصة بالنظام ورقم تلفون مركز الدعم الفني في شركة آي بي إم.

تخرّج حسام من قسم الهندسة الكهربائية وإلتحق بالماجستير في قسم الحاسوب  في الجامعة ذاتها وبمنحةٍ دراسية تدفع جميع تكاليفه الدراسية. 

تفرّغ لإدارة مركز الحاسوب والتدريس والأبحاث.  وإستمر حسامُ في الإزدهار علمياً ومهنياً وبدأ يقوم بأعمالٍ خيرية في المجتمع الذي كان جزأً منه.  وأكمل تعليمه العالي وحصل على شهادة الدكتوراة. 

في التدريسِ كان محبوباً جداً من الطلبة رغم شدته وحزمه.  كان عملياً ويشرح بلا مثيل له.  طلابه تخرجوا وأصبحوا مهندسين بمراكز مرموقة في مؤسساتٍ كبيرة وبعضهم ما زال يتواصل معه حتى هذا اليوم.

ما زال حسامُ يتواصلُ مع أبيه الروحي، الدكتور جيمز كروس، الذي كان له فضلٌ كبير إذ أعطى مفتاحاً لحسام الذي أجاد إستخدامه.  وبفضل الله ورضى الوالدين توالت النجاحات تلو النجاحات، وذلك كرمٌ من الله.

وكم من الشخصيات الهامة تعرّف حسام عليها، مثل مؤسس شركة مايكروسوفت السيد بيل غيتس، والعبقري المؤسس الشريك لشركة آبل السيد ستيف وازنياك، والرئيس الأسبق لشركة مايكروسوفت السيد ستيف بالمر، والدكتور نايف الروضان وغيرهم.

وما هذه إلآ بعض من سطور مُنتقاة من حياة تدرّج فيها حسام من نجاحٍ إلى آخر ومن صعودٍ إلى أكبر وأنجح بفضل الله.

Husam Yaghi

مَن جَدّ وجَد، ومن صار على الدرب وصل

Comments are closed.