شبكاتٌ إجتماعيةٌ في حياةٍ إفتراضية

hyaghi 15/01/2014 Comments Off on شبكاتٌ إجتماعيةٌ في حياةٍ إفتراضية

رُبما البعضُ يَستغربُ ما سيقرأ في هذه الخاطرة مع سابقِ عِلمٍ بالكاتبِ وتاريخِه.  ولمن لا يعرفُ الكثيرَ عني (الكاتب) سأُطلعكم بعدَ قليلٍ على موجَزٍ كخلفية للخاطرة.

قبل بِضعِ سنينَ كانت زوجتي تُكثرُ من إتهامي بالتخلُّف والرجعية لأني كُنتُ أرفضُ إستخدام ما يُسمى بالجوال الذكي أو أيٍ من شبكات التواصل الإجتماعي في الإنترنت.  كانت تستغربُ زوجتي لأنها تعرفُ خلفيتي.  تسألُني بإستعجابٍ: يا زوجي العزيز، أنت عِشت 20 سنة في أمريكا بلد التكنولوجيا والتحضُّر، ودراستُك كُلها وعملُك في مجال تقنية المعلومات لأكثر من 30 سنة، فلِمَ لا تستخدم التويتر والفيسبوك والسكايب والتانغو وغيرها؟    

زوجتي الحبيبة تكرهُ التكنولوجيا ولكنها تعشقُ أحدث التلفونات الذكية وأحدث الأجهزة الكفية والدفترية ولا تتوقف عن التغريدِ في تويتر ولا التحدث مع أهلها في أمريكا عبر السكايب والتانغو.   عِلماً أنها حاصلةٌ على شهاداتٍ في اللغويات والتربية.

أما أنا المُدعى بالمُتخلف، فقد درَستُ في أمريكا، وحصلتُ على شهادة بكالوريوس في الهندسة الكهربائية والماجستير والدكتوراه في تقنية المعلومات وعملت على أبحاثٍ في مجالات عدة منها: إستخراج البترول والغاز، شبكات الحاسوب وأمنها، التعليم عن بُعد، الرادارات والإستشعارِ عن بُعد، وغيرها ولا داعي للملل.

فلنعُد لصُلبِ موضوعنا.   أخيراً خضعتُ للواقعِ وإستبدلتُ تلفوني القديم الذي لم يخذُلني أبداً وكان يعملُ لعدة أيام قبل أن أُعيد شحنه، إستبدلته بتلفون ذكي.   وطبعاً بعد ذلك بدأتُ ببناء موطنٍ لي في العالمِ الإفتراضي عالم الإنترنت.

أصبحتُ الآن من المُدمنينَ على الحياة الوهمية وأصبحتُ لا أترددُ بتحميلٍ صورٍ لإبنتي مُقلةَ عيني ولا أن أكتبَ أسماءَ المطاعمِ والأماكنِ التي أزورها وحتى أصبحتُ أُغرّد كلَ صباحٍ ومساءٍ أذكر أنني في طريقي إلى العمل أو في طريقِ العودة إلى البيت.   للأسفِ، لم يعُد لي أيُ خصوصيةٍ ولا أمان.  

معلوماتٌ هائلةٌ أنا وأمثالي نتبرّعُ طَوعاً بتحميلها يومياً على موقعٍ أو أكثر في العالمِ الإفتراضي.

وهناك أيدٍ خفيةٍ تلهو وتلعب في تلك الثروة من المعلوماتِ دون عِلمنا ولن نَعلمُ ما سيُفعلُ بتلك المعلوماتِ سواءٌ الصورَ أو الكلام أو حتى إحداثيات الأماكنِ التي نزورُها.

صحيحٌ أنني تعرَّفتُ على العديدِ من الأشخاصِ عبر هذه الشبكات الإجتماعية الإفتراضية ورُبما البعضُ أصبحَ عدواً، ولكن الكلُ بلا إستثناء يجعلُني بإستمرارٍ أُعيدُ تقييم نفسي وسُلوكي.  رُغما أنني من جماعةِ بُرج الجدي الذي لا يمُل من عدمِ التغيير بل يعشقُه، فقد تغيرتُ بفضل هذه الشبكات. في بعضِ النواحي تغيّرتُ للأفضلَ وربما أيضاً تغيّرتُ للأسوأ.  أصبحتُ الآن لا أُبالي إن أسأتُ لصديقِ لتكراره فعلَ شيئٍ لا يرقُ لي.   أصبحتُ أرفضُ المساعدة للمُناشدِ حتى ولو كان بوسعي المُساعدة.

وما يؤسفُني أكثرُ هو أنني أصبحتُ آلةً بلا شُعورٍ.   حتى أخي الأكبرُ الحبيبُ العزيزُ لم أعُد أسمعُ صوته أو أزوره لأننا نتخاطبُ عبر البريد الإلكتروني والفيسبوك يومياً.  وفي الحقيقةِ لم أعُد أجتمعُ وجهاً لوجهٍ مع أيِ صديقٍ أو زميل لأننا نتسامرُ عبر إحدى قنواتِ التواصلِ الإجتماعي.

لعنةُ الله عليكِ أيتُها التكنولوجيا فقد جرّدتيني من مشاعري وعزلتيني عن أحبتي وإنتهكتي خصوصيتي.  إنني مُجهَدٌ ومُتعبٌ منكِ وزُخامكِ الذي يضجُ برأسي.

social-networks-11

Comments are closed.