صناعة المستقبل بأيدي أطفالنا

hyaghi 26/11/2013 Comments Off on صناعة المستقبل بأيدي أطفالنا

بقلم: حسام ياغي

 

         رغم فخري (ربما المبالغ به كما تعتقد زوجتي) بإبنتي تمارا، إلآ أنني أكتب هذه الخاطرة لا للفخر ولا للمبالغة وإنما لسرد حقائق تعيشونها أنتم أيضاً.  إنه أجمل من جميل أن تُشاهد أطفالاً يستخدمون هواتف أمهاتهم بكل عفوية والبعض بمهارة تفوق إمكانيات الأمهات (والآباء كي لا أكون متحيزاً جنسياً).  يا للهول، إبنتي الصغيرة تأخذ تلفوني الآيفون من يدي لتُريني طريقة لحجب الغير مُصرّح لهم من إمكانية تصفّح ملف صوري العائلية.  بكل بساطة  تفتح برنامج "سوق آبل" وتقوم بتحميل برنامج ثمنه دولاراً واحداً وثم تُشغّله وتك تاك توك: الآن يطلب التلفون رقماً سرياً أو بصمتي كي يتيح لي تصفّح الصور.  ربما لو كان لدي الوقت لبحثت بنفسي وفعلت الشيء ذاته.  جزاها الله خيراً وحفظها من كل مكروه.

         زوجتي تستخدم تلفوناً ذكياً "آيفون" رغم أنها تكره التكنولوجيا لأنها تُعقّد حياتنا حسب إعتقادها.  رغم أنه تلفون ذكي شبه كمبيوتر محمول، إلآ أنها تستخدمه فقط للإتصال والدردشة عبر "الواتس أب".  أحياناً كثيرة أرى إبنتي تلعب على تلفون أمها ألعاباً بحق عجزتُ أنا أن أتمكن من فهمها.  فهي تلعب "تمبل رن" وتشاهد مقاطع في اليوتوب وترفع صوراً إلى مخزن سحابي لتشاركها مع زميلتها وكأنها على جهاز الكمبيوتر المنزلي وكأنها في المرحلة الثانوية.  والأمر المدهش أنها تجيد إستخدام تلفون أمها أكثر من صاحبة الجهاز.

         إبنتي ليست بأعجوبة أو نابغة، فمعظم الأطفال يحملون أجهزتهم الخاصة من تلفونات ذكية وكمبيوترات كفيّة.   هذا هو جيل عصر التكنولوجيا المحمولة.   على عكسنا تماماً، هذا الجيل لن يقبل بخدمات إنترنت تُنازع من بطئها.  هذا الجيل سيقرر ويُحدد طريقة التعامل والتفاعل مع الأجهزة وطريقة طرح المعلومات والخدمات.  هذا هو جيل التلفونات الجوالة التي تُضاهي السوبركمبيوترات في زمن طفولتنا.

        وبعكس ذلك تماماً، في زمني كانت إداراتٌ عُليا تُقرر وتفرض والكُل يستخدم ما يُتاح له دون تذمّر.  فقبل بضعة أعوام في بداية الألفية الثانية، يوم كنتُ مديراً لتقنية المعلومات في مؤسسة مرموقة كبيرة، كُنت أشعر بالقوة والعُلي، إذ كنت أنا من يقرر نوع الأجهزة التي توضع في مكاتب الموظفين والبرامج التي سيتخدمها الكل من الرئيس إلى موظف السنترال.   لقد ولّت تلك الأيام.  

        الآن أنا وإدارتي بأسرها تحت رهن الجيل اليافع من الموظفين لخدمتهم وإلآ قيل عنا "عفى عليهم الزمن".  الموظفون يستخدمون تلفوناتهم الذكية لإستقبال وإرسال البريد الإلكتروني، ويتصلون بأنظمة الشركة المالية لإصدار فواتير لعملائهم.  التلفونات والكمبيوترات المحمولة وإستخدام أنظمة الشركة من خارج شبكة الشركة كان من المُحرّمات، أما الآن فلا يُمكننا حجب ذلك وإلآ تأثر سير العمل. 

       وكي تزداد الطين بِلّة، أصبح من المُعتاد أن يُحضر الموظفون أجهزتهم الخاصة (الشخصية) إلى العمل BYOD ولا يُمكننا منعهم.  وضعونا تحت الأمر الواقع وعلينا إيجاد حلول لحماية أنظمة الشركة ومصالحها من المُخترقين الخارجيين، تحديات تقنية أمنية علينا التعامل معها لا مُحال.

       ولم يعُد السحاب جزءاً من فصل الخريف، بل أصبحت الحوسبة السحابية واقعاً من حياتنا العملية.  حتى إبنتي الصغيرة تأخذ جهازها الآيباد إلى المدرسة وعبر شريحة إتصال الجيل الرابع تدخل على ملفاتها المُخزّنة في سحابة ما في مكان ما في العالم لتفتح ملفاً وتُرسله إلى معلمتها.

       أما أمثالي من الجيل القديم فنرفض بتاتاً أن نرفع صورنا العائلية وملفاتنا الخاصة إلى أي موقع في الإنترنت حرصاً على خصوصيتنا وأمن معلوماتنا.

      لا شك أن رجال الأعمال وأصحاب المواهب سيستغلوا هذه الثورة لإختراع وإنتاج وسائل وخدمات تتواكب مع هذه الإحتياجات وهذه التقنيات.  وبطبيعة الحال، يستلذ رجال الأعمال بإغتنام هذه الفرصة لتحويل إحتياجات وأحلام جيل التكنولوجيا المحمولة إلى مصادر ثروة مالية تفوق الفيسبوك.

       وأما أمثالي، فسيندثروا ولن يترك لهم المستقبل أي مكان يختبئوا فيه.

kids-laptop-1

Comments are closed.