في ذكرى مولد النبي محمد عليه الصلاة والسلام

admin 06/11/2012 Comments Off on في ذكرى مولد النبي محمد عليه الصلاة والسلام
 
«أنشأه الله تعالى من سلالة إسماعيل بن إبراهيم من صميم العرب فكان صلى الله عليه وسلم أكرم الناس نسبًا وأطيبهم مولِدًا، ولِد صلى الله عليه وسلم بمكة في يوم الإثنين في العام الذي أهلك الله به أصحاب الفيل الذين أرادوا هدم الكعبة فكان إهلاكهم إرهاصًا لبعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولدته أمه آمنة من أبيه عبد الله بن عبد المطلب وقد رأت أمه قبل ولادته أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام فمات أبوه في المدينة قبل أن يولد صلى الله عليه وسلم وماتت أمه بالأبواء في طريق المدينة وهو في السابعة من عمره فكفلَهُ جدُّه عبد المطلب ثم مات ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – في الثامنة من عمره فنشأ صلى الله عليه وسلم يتيمَ الأبوين والجد ولكن الله تعالى آواه وهو نِعم المولى ونعم النصير، فيسَّر اللهُ له عمه أبا طالب شقيق أبيه فضمّه إلى عياله وأحسنَ كفالته وأحبّه حبًّا شديدًا وبارك الله له بسبب النبي – صلى الله عليه وسلم – في مالِه وحاله»(م3).
 
 
«ولقد اشتغل صلى الله عليه وسلم بما اشتغل به الأنبياء من قبله: اشتغل برعي الغنم وما من نبي إلا رعى الغنم ليَعْتَاد بذلك حسن الرعاية والتصريف فيما يكون راعيًا له في المستقبل، ثم اشتغل صلى الله عليه وسلم بالتجارة فاشتهر عند الناس بالصدق والأمانة وحسن المعاملة»(م4)، «ثم لَمّا بلغ الخامسة والعشرين من عمره تزوّج خديجة – رضي الله عنها – ولها أربعون سنة وقد تزوّجت قبله برجلين وكانت رضي الله عنها من شريفات نساء العرب موصوفة بالعقل والحزْم والذكاء ورزقه الله تعالى منها أولادًا: ابنين وبنات أربع ولم يتزوّج صلى الله عليه وسلم عليها حتى ماتت رضي الله عنها»(م5)«في السنة العاشرة من البعثة قبل الهجرة بثلاث سنين فتزوّج بعدها بعائشة ثمسَودَة رضي الله عنهما»(م6)، «وكان صلى الله عليه وسلم مُعظّمًا في قومه مُحترمًا فيهم يحضر معهم في مهمات الأمور: فحضر حلف الفضولِ الذي تعاقدوا به على درء المظالم ورد الحقوق إلى أهلها»(م7)«وكان حَكَمًا في قريش عند نزاعها في وضع الحجر الأسود في مكانه وذلك أن قريشًا هدموا الكعبة فلمّا بنوها وأرادوا أن يضعوا الحجر في مكانه تنازعوا بينهم أيهم يضع الحجر في مكانه ؟ فقيّض الله لهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فحكّموه بينهم وانقادوا لحكمِه فبسَطَ صلى الله عليه وسلم رداءه ووضع الحجر فيه ثم قال لأربعة من رؤساء قريش: لِيَأخذ كل واحدٍ منكم بجانب من هذا الرداء فحملوه حتى إذا أدنوه من موضعه أخذه صلى الله عليه وسلم بيده الكريمة فوضعه في مكانه فكان له صلى الله عليه وسلم بهذا الحكم العادل شرفٌ كبيرٌ ونبأٌ عظيم»(م8)«وكان صلى الله عليه وسلم مُحفوظًا من عبادة الأوثان: لم يعبدها في حياته قط، محفوظًا من شرب الخمور: لم يشربها في حياته قط، محفوظًا من عمل الميسر – وهو القمار – لم يفعل ذلك في حياته قط»(م9) .
 

 

«ولَمَّا بلغ الأربعين من عمره جاءه الوحي من الله  تعالى فكان أول ما بُدئ به من الوحي الرؤيا الصادقة، لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبَّب الله إليه الخلوة وهو: الانفراد عن ذلك المجتمع الجاهلي في عقيدته وعبادته فكان صلى الله عليه وسلم يخلو بغار حراء وهو: الجبل الذي عن يمين الداخل إلى مكة من طريق الشرائع ويتعبّد فيه حتى نزل عليه الوحي هنالك فجاءه جبريل فقال له: اقرأ ؟ فقال: ما أنا بقارئ؛ أي: لا أُحسنُ القراءة، ثم قال: اقرأ ؟ فقال: ما أنا بقارئ، ثم قال له في الثالثة:"اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ" [العلق: 1-5]، فرجعَ النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى أهله يرجف فؤاده فزعًا؛ لأنه رأى أمرًا عظيمًا لم يكن معهودًا له من قبل، فدخل على خديجة – رضي الله عنها – وأخبرها الخبر وقال لها: لقد خشيتُ على نفسي، فقالت له رضي الله عنها: كلا، واللهِ ما يخزيك الله أبدًا؛ إنك لَتَصِلُ الرحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف وتُعين على نوائب الحق، فاستدلّت رضي الله عنها بأفعاله الحميدة على أن حكمة الله تأبى أن يلحق العار والخزي مثل هذا .
 
 
وبنزول هذه الآيات على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – صار نبيًّا؛ لأن الله أوحى إليه فكانت هذه الآيات التي سمعتموها هي أول ما نزل عليه من القرآن ثم فترَ الوحي فأنزل الله بعد ذلك"يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ" [المدثر: 1-5]، وبذلك صار نبيًّا رسولاً إلى جميع الثَّقَلين، فدعا إلى الله وبشّر وأنذر، خصّ وعمّ: أنذر عشيرته الأقربين ثم بقيّة الخلق أجمعين حتى أتَمَّ الله به النعمة على المؤمنين وأكمل به الدين وأظهر دينه ونصره وهو نِعم المولى ونِعم النصير»(م10)
 

 

(م2) في ختام الرسالة ذكرها الإمام العلامة ابن كثير في كتابه المبارك: «البداية والنهاية» ج3/2 .
 
(م3) في مولده الشريف -صلى الله عليه وسلم- الذي أضاء الأرض نورًا وبهجة، ذكرها ابن كثير -رحمه الله تعالى- في: «البداية والنهاية» 2/252 .
 
(م4) في نشأته صلى الله عليه وسلم ورعيه للغنم والتجارة، ذكره ابن كثير -رحمه الله تعالى- في «البداية والنهاية» 6/286 .
 
(م5) تزويجه بخديجة -رضي الله تعالى عنها- وصلى الله عليه وسلم نبينا محمد، ذكره ابن كثير -رحمه الله تعالى- في: «البداية والنهاية» 5/293 .
 
(م6) في زوجاته وأولاده صلى الله عليه وسلم، ذكره ابن كثير -رحمه الله تعالى- في: «البداية والنهاية» 5/291 .
 
(م7) في حلف الفضول، ذكره ابن كثير -رحمه الله تعالى- في: «البداية والنهاية» 2/291 .
 
(م8) في وضع الحجر الأسود، ذكره ابن كثير -رحمه الله تعالى- في: «البداية والنهاية» 2/299، وكذلك ذكره ابن إسحاق -رحمه الله تعالى- في سيرته في 1/85 .
 
(م9) انظر إليه في كتاب: «فصول في السيرة» في 1/91 .
 
(م10) لَمَّا بلغ صلى الله عليه وسلم سن الأربعين من عمره الشريف، ذكره ابن كثير -رحمه الله تعالى- في: «البداية والنهاية» 3/2 .
 

Comments are closed.