مكانة الصين وتأثيراتها السياسية والاقتصادية

admin 07/11/2012 Comments Off on مكانة الصين وتأثيراتها السياسية والاقتصادية

بدأت الصين هذه السنة،2011، تنفيذ "الخطة الخمسية الثانية عشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية" التي تحدد توجهات الصين الداخلية والخارجية لمدة خمس سنوات تكتمل بنهاية سنة 2015، أي حتى منتصف العقد الثاني للقرن الحادي والعشرين. 

 

والحقيقة أن الخطة، التي وصفتها أجهزة إعلام خارجية بأنها خلت من المفاجآت، جاءت موضوعية واقعية ومعبرة بصدق عن حال الصين وأهدافها على ضوء إمكاناتها المتاحة، وعلى ضوء قراءة المحيط الدولي والإقليمي للدولة التي يرى عدد غير قليل من المحللين السياسيين أنها القوة العظمى القادمة. يقول مايكل كلير في كتابه (رد فعل الأثر السلبي أو The blowback effect, 2020)، إذا كانت الصين عملاقا اقتصاديا اليوم، فإنها ستصبح قوة في سنة 2020. وفقا لوزارة الطاقة الأمريكية، سيقفز الناتج الإجمالي المحلي للصين من 3ر3 تريليونات دولار أمريكي في سنة 2010 إلى 7.1 تريليونات في سنة 2020 (بسعر الدولار الأمريكي في سنة 2005). في ذلك الوقت سيفوق حجم إجمالي ناتج الصين المحلي كل الناتج المحلي الإجمالي لكل دول أفريقيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط. وسوف تنتج الصين، بمرور الوقت، منتجات أكثر تطورا وتعقيدا، ومنها أنظمة طاقة خضراء ونقل مناسبة لاقتصادات ما بعد الكربون المستقبلية. وسوف يعطيها ذلك نفوذا دوليا متزايدا.

 

 

حقق الاقتصاد الصينى خلال العقدين الأخيرين نتائج مبهرة، خاصة فى معدلات النمو الحقيقى والصادرات، وجذب الاستثمار الأجنبى المباشر، وبدأ هذا الاقتصاد يخطو بخطوات ثابتة نحو صدارة الاقتصاد العالمى، محتلا أماكن بلدان كبرى منافسة له فى العديد من القطاعات الاقتصادية وهذه المؤشرات جعلت بعض التحليلات والآراء تذهب إلى أن القرن الحالى سيصبح قرنا صينيا تتصدر فيه الصين الاقتصاد العالمى ولكن مقابل هذه الآراء، هناك من يقلل من فرص نجاح الصين فى تحقيق هذا الهدف لأسباب كثيرة، أهمها ما يتعلق بمحددات وطريقة اندماج الاقتصاد الصينى فى الاقتصاد العالمى، وخاصة المحددات الداخلية النابعة من الفلسفة والأيديولوجية التى بنى عليها النمو الاقتصادى الصينى، وصعوبة الحفاظ على استمرارها فى ظل عضوية الصين فى منظمة التجارة العالمية، يضاف إلى ذلك طبيعة هيكل الاقتصاد الصينى، وما يعانيه من تناقضات داخلية، وما يصادفه من منافسة خارجية ورغم تفاوت الرأيين السابقين، يلاحظ أن كليهما يتفق فى أن نجاح الصين فى أن تصبح القوة الاقتصادية الأولى فى العالم مرهون بطبيعة علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع الدول الآسيوية، خاصة مع اليابان والهند والكوريتين، وذلك بسبب التشابه فى البنيان الاقتصادى فى معظم هذه الدول، والتقارب فى الآليات المتبعة لتحقيق النمو، خاصة فى مجال فنون الإنتاج، وأساليب زيادة الإنتاجية والقطاعات المستهدفة، وكذلك لوجود نوع من التكامل الصناعي بشكل أو بآخر بين بلدان هذه المنطقة الآسيوية يجعل اقتصادات بعض هذه البلدان بمثابة رءوس كبارى لاقتصادات البلدان الأخرى، ومنها الاقتصاد الصينى.

 

سلطت شبكة CNN الإخبارية الأمريكية بتاريخ 17 / 6 / 2011م ألضوء على محاولات دخول الصين في مصاف الدول العظمى , مشيرة الى ان الصين شهدت في الآونة الأخيرة تطوراً ملحوظاً وأحتلت مرتبة متقدمة في مصاف الدول العظمى عسكرياً واقتصادياً , وتساءلت الشبكة الأمريكية في تقرير بثته على موقعها الإلكتروني , بعد ذكر الكثير من الايجابيات والتطورات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي شهدتها الصين في الآونة الأخيرة ، متي نستطيع إخراج الصين من قائمة الدول الناشئة القادمة إلى صفوف الدول العظمى، واعتبارها دولة عظمى مباشرة ؟

 

وقد نقلت الـ CNN عن محللين اعتقادهم بأن الصين تحتاج – لكي تصبح قوة عالمية كبرى – أن تهيمن بطريقة منقطعة النظير في المجال العسكري وكذلك الاقتصادي , وفي هذا السياق قال لورينس ساويز المحاضر في مدرسة الدراسات الأفريقية والشرق ''أنه عندما تقرر الصين أن تسيطر على تايوان ، ستصبح في ذلك الوقت قوى عظمى'' , ونقول : ان تايوان ستظل نقطة تراجع وإخفاق في سجل انبعاث الإمبراطورية الصينية خلال العقود القادمة , ولن تتمكن الصين من التحول الى قوة عظمى ما لم تستعيد بطريقة او أخرى هيمنتها على تايوان .

 

 

وفي مدونته http://www.myportail.com  كتب الدكتور ضرغام الدباغ:   تمثل ظاهرة تعاظم أهمية ومكانة الصين، واحدة من أبرز وأهم والأعمق تأثيراً من بين غيرها من الظواهر والمؤشرات التي تطبع سمات الألفية الثالثة والقرن الواحد والعشرين.

 

دون ضجيج، أو استعراض للقوة لا داع له، ودون انشغال يفقدها قوة التركيز والزخم في معارك سياسية، أو الانغماس في ملفات معقدة، تطرح الصين نفسها لكل مراقب كقوة عظمى عملاقة على أصعدة عديدة، وقد أستغرق بناء هذه القوة العظمى عقود الخمسينات والستينات والسبعينات، تمكنت خلالها الصين بصفة شبه مستقلة عن الارتباط بالخارج، بدرجة عالية من تقليص التبعية السياسية والتكنيكية، من إنجاز الأسس المادية المهمة للبناء ألارتكازي، والأسس العلمية من خلال تشييد قاعدة علمية أكاديمية ومن ثم تطبيقاتها العملية، تمكنت من خلالها تحقيق مرتكزات ومستلزمات النجاح، ومارست الدولة والقوى المنتجة هذه السياسة بانضباط عالي، وتمكنت من تحقيق الخطوات الحاسمة لمرحلة انتقلت فيها الصين من بلاد متخلفة لم تكن تعرف الصناعة، إلى بلد يتصدر الدول الصناعية في العالم، بما في ذلك تمتلك دولاً تمتلك تراثاً صناعياً مهماً كبريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا.

 

والسنوات الأخيرة من العقد الأول، مثل حضوراً صينياً قوياً في الميادين الاقتصادية بالدرجة الأولى، وتظهر بيانات حكومية صينية، (أبريل / 2010)، أن المعدل السنوي لنمو الناتج المحلي في الصين قد تسارع في الربع الأول من العام الجاري ليبلغ 11.9 % من 10.7 % في الربع الأخير من 2009، ويعد هذا النمو هو أسرع معدل للنمو منذ 2007 عندما سجل الاقتصاد الصيني نموا بلغ 13 %، وهو ما أرجعه المكتب الصيني للإحصاء إلى أن الانتعاش اكتسب زخما مما يضع أساسا جيدا لتحقيق أهداف الحكومة للعام بأكمله، مع الإقرار بوجود صعوبات تواجه التنمية.

 

 

وكانت صادرات الصين قد بلغت ما قيمته 112.11 مليار دولار من البضائع والخدمات في مارس/آذار / 2009، بزيادة 24.3 % عن السنة السابقة، في حين صعدت الواردات 66 % بوتيرة سنوية إلى 119.35 مليار دولار، متسببة في عجز تجاري بقيمة 7.24 مليار دولار. فيما ارتفعت الواردات والصادرات 42.8 % على أساس سنوي إلى 231.46 مليار دولار في مارس/آذار تبعا للإحصائيات الجمركية.

 

وبحساب الأشهر الثلاثة الأولى معا (2010)، وصل الفائض التجاري للصين إلى 14.49 مليار دولار في الربع الأول، مسجلا انخفاضا حادا بلغ 76.7 % مقارنة بالفترة المماثلة من العام الماضي(2009)، بينما بلغ إجمالي واردات وصادرات البلاد 617.85 مليار دولار في الربع الأول، بزيادة 44.1 %.

 

وفي فبراير / 2010 أعلنت مصادر ألمانيا أن الصين نجحت أخيراً في إزاحة منافستها ألمانيا في السعي نحو تصدر الدول الصناعية المصدرة ووفق بيانات صينية أن التجارة الخارجية الصينية حققت نمواً بنسبة 44.4 % في يناير/كانون الثاني 2010 على أساس سنوي، وكشفت إحصاءات ألمانية صادرة عن مكتب الإحصاءات الفيدرالي، حول حجم التجارة العالمية خلال شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي يشير إلى تراجع الصادرات الألمانية بقد بلغ سبة 18.4 % خلال العام 2009، مقارنة بالعام السابق، ما يعد أكبر تراجع خلال عام واحد منذ عام 1950. وفي أرقام مقارنة، بلغت صادرات ألمانيا، التي تعد أكبر اقتصاد أوروبي، 1.12 تريليون دولار، مقارنة مع 1.20 تريليون دولار، إجمالي الصادرات الصينية خلال الفترة نفسها.

 

بيد أن ألمانيا واصلت آنذاك تصدرها لأفضل المصدرين في العالم، ولكن المصادر الألمانية تدرك أن هذا التفوق هو هش، وسرعان ما ستتبؤأ الصين المرتبة الأولى. وخسارتها للقب قد تعكس بعض الانتقادات الدولية للحكومة الألمانية لعدم بذل المزيد من أجل تحفيز الطلب المحلي، خصوصاً مع تراجع الواردات الألمانية بنسبة 17.2 % عن العام السابق، ما يعني أن نسبة التراجع في الواردات تكاد تعادل نسبة التراجع في الصادرات.

 

وكانت الصين قد قالت في وقت سابق إن صادراتها ارتفعت بنحو 18 % في ديسمبر/كانون الأول / 2009، حيث بلغت صادراتها من السلع 957 بليون دولار في الشهور العشرة الأولى من عام 2009 فيما صدّرت ألمانيا بضائع بـ 917 بليوناً في الفترة ذاتها، لتواصل الصين صعودها إلى مصاف القوى الاقتصادية العظمى.

 

ونشرت إحصاءات في بكين تشير إلى تحقيق التجارة الخارجية الصينية نمواً بنسبة 44.4 % في يناير/ كانون الثاني /1010، حيث بلغت قيمة الصادرات في 109.47 مليار دولار أمريكي، بزيادة 21 % عن العام السابق، في حين ارتفعت الواردات 85.5 % لتصل إلى 95.31 مليار دولار أمريكي.

 

 

وأوضحت المصلحة العامة للجمارك في الصين أن الزيادة المهمة ترجع إلى انخفاض أسس المقارنة في العام الماضي(2009) عندما تعرضت الصادرات الصينية إلى ضربات جراء الأزمة المالية العالمية، وأيام عمل أقل حيث صادف وقوع عطلة السنة القمرية الجديدة في يناير/كانون الثاني من العام الماضي، وقد تقلص الفائض التجاري 63.8 % إلى 14.16 مليار دولار أمريكي.


وفي مقارنة الإحصاءات الصينية التي تعكس تقدماً متواصلاً، حتى في ظل وجود أخطاء وهنات، فقد أعلنت بيانات يابانية رسمية(فبراير / 2010) نمو اقتصاد البلاد بنسبة 1.1 % في الربع الأخير من عام 2009، مقارنة بالربع الثالث، لتبقى ولكن بصعوبة في المركز الثاني خلف الولايات المتحدة، في مواجهة العملاق الصيني الذي ينافس بشدة على ذلك المركز. ويتوقع محللون أن تتخلى طوكيو عن مركزها لصالح الصين في العام الحالي، بعدما أظهر الاقتصاد الصيني نموا سريعا بنسب سنوية تراوحت بين 8 إلى 10%.

 

ولا يمكن تسجيل النجاحات الصينية الكبيرة، إلا دليلاً ساطعاً على نجاعة الخطط التي قامت بها الحكومة الصينية، وبصرف النظر عن عثرات مثيرة للجدل (أحداث الثورة الثقافية/ وصراعات سياسية داخلية)، فإن نتائج الخطط الإيجابية ظاهرة بوضوح وبوقائع ومعطيات مادية، واعتماد القيادات الصينية فلسفات من شأنها دفع كل المعوقات إلى الوراء، واعتماد النجاح كأسس لدرجة دقة الخطط، واعتماد الصين الاشتراكية فضائل النشاط الرأسمالي الليبرالي اقتصادياً، فيما يدير الحزب الشيوعي دفة التحولات في البلاد، دون التخلي عن الاشتراكية، وليس أدل على ذلك اعتمادهم حكمة صينية تقول: ليس المهم أن يكون لون القط أسود أو أبيض، المهم أن يلتهم الفئران .

 

وترقب الأوساط التجارية الأوربية، والألمانية بصفة خاصة، تعاظم النشاط التجاري الصيني في أرجاء العالم وفي العلم العربي، ويثير القلق في منطقة تميزت بالتبادل التجاري مع الغرب، وأوربا بصفة خاصة بوصفها أسواق تقليدية للسلع الأوربية.

 

 

وقد اكتسبت الصين لقب الشريك التجاري الأول في مصر، وستصبح كذلك قريباً في الجزائر والمغرب وموريتانيا وليبيا والسودان. وتستورد الصين من هذه الدول خامات الطاقة والصناعة، في عمليات تجارية / اقتصادية تعد بالمزيد في المستقبل في ظل سياسة صينية براغماتية تتقدم بثبات وقوة، في منطقة عرفت بالنفوذ التقليدي لفرنسا وإيطاليا وألمانيا، إذ تشير الإحصائيات إلى: أن حجم المبادلات بين الصين والدول العربية بلغت 135 مليار دولار، عشرون مليار منها من نصيب بلدان شمال إفريقيا.

 

قد تكون واشنطن نجحت في تفادي خطر التخلف عن سداد ديونها بالتوصل الى توافق حول رفع سقف الدين العام، ولكن مشاكل امريكا الاقتصادية ما زالت على حالها مما يدفع باتجاه البحث عن عملة احتياطية بديلة للدولار.  وقد وقعت الصين اتفاقات لتبادل العملات مع كل من سنغافورة وكوريا الجنوبية وماليزيا واندونيسيا والارجنتين وغيرها من الدول، تتيح للشركات الصينية العاملة في هذه الدول اقتراض كميات كبيرة من اليوان لتمويل نشاطاتها.  وفي شهر اغسطس / آب 2010، اصبحت شركة مكدونالدز للوجبات الجاهزة اول شركة اجنبية من خارج المجال المصرفي تصدر سندات مقيمة باليوان في هونغ كونغ.  يذكر ان وجود سوق سندات نشطة هو من الشروط الاساسية لكي تصبح عملة ما عملة احتياطية.

 

لا محال، فإن الصين وفق قاعدة القوة الاقتصادية والعسكرية مرشحة للعودة قوة عالمية كما كانت قبل قرون عدة، وربما تكون المنافس الأكبر والأهم بالنسبة للولايات المتحدة في السنوات القليلة القادمة، فالنمو الاقتصادي المتسارع الذي تحققه منذ ربع قرن سيجعلها القوة الاقتصادية الأولى في العالم، وعدد سكانها وقوتها العسكرية يرشحانها لموقع قيادي في العالم.

 

 

Comments are closed.